سيد محمد طنطاوي
138
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
ثم حكى - سبحانه - حالهم عندما سمعوا ما يهديهم إلى الرشد . . . فقال - تعالى - : * ( وأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدى آمَنَّا بِه ، فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّه فَلا يَخافُ بَخْساً ولا رَهَقاً . . . ) * . أي : وأننا لما سمعنا الهدى ، أي : القرآن من النبي صلى اللَّه عليه وسلم * ( آمَنَّا بِه ) * بدون تردد أو شك * ( فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّه ) * وبما أنزله على نبيه صلى اللَّه عليه وسلم * ( فَلا يَخافُ بَخْساً ) * أي : نقصا في ثوابه * ( ولا رَهَقاً ) * أي : ولا يخاف - أيضا - ظلما يلحقه بزيادة في سيئاته ، أو إهانة تذله وتجعله كسير القلب ، منقبض النفس . فالمراد بالبخس : الغبن في الأجر والثواب . والمراد بالرهق : الإهانة والمذلة والمكروه . والمقصود بالآية الكريمة إظهار ثقتهم المطلقة في عدالة اللَّه - تعالى - . وقوله - سبحانه - : * ( وأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ ومِنَّا الْقاسِطُونَ ، فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً . وأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً ) * تأكيد وتفصيل لما قبله . والقاسطون : هم الجائرون الظالمون ، جمع قاسط ، وهو الذي ترك الحق واتبع الباطل ، اسم فاعل من قسط الثلاثي بمعنى جار ، بخلاف المقسط فهو الذي ترك الباطل واتبع الحق . مأخوذ من أقسط الرباعي بمعنى عدل . أي : وأنا - معاشر الجن - * ( مِنَّا الْمُسْلِمُونَ ) * الذين أسلموا وجوههم للَّه وأخلصوا له العبادة . * ( ومِنَّا الْقاسِطُونَ ) * أي : الجائرون المائلون عن الحق إلى الباطل . * ( فَمَنْ أَسْلَمَ ) * منا * ( فَأُولئِكَ ) * المسلمون * ( تَحَرَّوْا رَشَداً ) * أي : توخوا وقصدوا الرشد والحق . أَمَّا الْقاسِطُونَ وهم الذين آثروا الغي على الرشدكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً أي : وقودا لجهنم ، كما توقد النار بما يلقى فيها من حطب وما يشبهه . وإلى هنا نرى الآيات الكريمة قد حكت أقوالا متعددة ، لهؤلاء النفر من الجن ، الذين استمعوا إلى القرآن ، فآمنوا به ، وقالوا لن نشرك بربنا أحدا . ثم بين - سبحانه - سنة من سننه التي لا تتخلف ، وهي أن الاستقامة على طريقه توصل إلى السعادة ، وأن الإعراض عن طاعته - تعالى - يؤدى إلى الشقاء ، وأمر رسوله صلى اللَّه عليه وسلم أن يعلن للناس حقائق دعوته ، وخصائص رسالته ، وإقراره أمامهم بأنه لا يملك لهم ضرا ولا نفعا ، وأن علم الغيب مرده إلى اللَّه - تعالى - وحده ، فقال - سبحانه - :